المقريزي

193

إمتاع الأسماع

منه ، فلما دنا الموعد كره أبو سفيان الخروج وأحب ألا يوافي رسول الله صلى الله عليه وسلم الموعد ، وكان يظهر أنه يريد الغزو في جمع كثيف ، فيبلغ أهل المدينة عنه أنه يجمع الجموع ويسير في العرب ، فتأهب المسلمون له . رسالة أبي سفيان نعيم بن مسعود لتخذيل المسلمين وقدم ( 1 ) نعيم بن مسعود الأشجعي مكة فأخبر أبا سفيان ( 2 ) وقريشا بتهيؤ المسلمين لحربهم . وكان عاما ( 3 ) جدبا ، أعلمه أبو سفيان بأنه كاره للخروج إلى لقاء المسلمين ، واعتل بجدب الأرض . وجعل له عشرين فريضة توضع تحت يد سهيل بن عمرو ، على أن يخذل المسلمين عن المسير لموعده وحمله على بعير . فقدم المدينة وأرجف بكثرة جموع أبي سفيان حتى رغب المسلمين ، وهو يطوف فيهم حتى قذف الرعب في قلوب المسلمين ولم تبق لهم نية في الخروج . واستبشر المنافقون واليهود وقالوا : محمد لا يغلب ! - من هذا الجمع - فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى خشي ألا يخرج معه أحد . وجاءه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما - وقد سمعا ما سمعا - وقالا : يا رسول الله . إن الله مظهر دينه ومعز نبيه ، وقد وعدنا القوم موعدا ، ولا نحب أن نتخلف فيرون أن هذا جبن ، فسر لموعدهم ، فوالله إن في ذلك لخيرة . فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم قال : والذي نفسي بيده لأخرجن وإن لم يخرج معي أحد . فبصر الله المسلمين وأذهب ما كان رعبهم الشيطان ، وخرجوا بتجارات لهم إلى بدر فربحت ربحا كثيرا . خروج المسلمين إلى بدر واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة عبد الله بن رواحة ، وسار في ألف وخمسمائة ، فيهم عشرة أفراس ، وحمل لواءه علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فانتهوا إلى بدر ليلة هلال ذي القعدة ، وقام السوق صبيحة الهلال فأقاموا ثمانية أيام والسوق قائمة . وخرج أبو سفيان من مكة في ألفين معهم خمسون فرسا ثم رجعوا من مجنة ( 5 ) ، ( وذلك أن أبا سفيان بدا له الرجوع فقال : يا معشر قريش ، ارجعوا

--> ( 1 ) في ( خ ) " وقد " . ( 2 ) في ( خ ) " أخبر أبا سفيان " مكررة . ( 3 ) في ( خ ) " عامة " . ( 4 ) رعب : خوف . ( 5 ) مجنة : موضع على أميال يسيرة من مكة بناحية مر الظهران واسم سوق للعرب ( معجم البلدان ) ج 5 ص 58 .